فلم كباريه .... يقذف حجراً في بركة واسعة مخرج يضع الملح علي الجرح ولايقترح علاجاً
محمد جبار الربيعي هل يمتلك الانسان الحق في مصادرة حياة إنسان آخر لمجرد إحساسه انه يخالفه في فِكره او انه علي خطأ من دون ان يتصور نفسه مكانه ويمر بنفس ظروفه اودون ان يفتح معه باب الحوارقبل ان يفكر في تصفيته؟ .....هذا مايطرحه( فلم كباريه)... الفلم عن قصة وسناريو وحوار الكاتب ( احمد عبد الله ) وجسدها المخرج (سامح عبد العزيز) و نخبة من ممثلي الصف الثاني الذين لن يكونوا بعد هذا الفلم في هذا الموقع فقد اثبتوا انهم ممثلون كبار ومنهم (صلاح عبد الله) و(احمد بدير) و(فتحي عبد الوهاب) و(ماجد الكدواني )و(خالد الصاوي) و(محمود الجندي )و(دنيا سمير غانم ) و(مي كساب) والممثلة السورية (جومانه مراد) .... فقد ادوا ادوارهم باتقان...واجتهاد واضح..... وقد صاحب عرض الفلم جدل ورفض كبير من قبل الشارع المصري لجرأته في الطرح ولفضحه حالة التناقض التي يعيشها المجتمع المصري وهذا الرفض صاحب افلام المنتج احمد السبكي الاخيرة بسبب خروج افلامه عن المألوف ... الفلم عبارة عن ليلة واحدة وحدث واحد في ملهي ليلي جمع كل خيوط الفلم المتعددة في تلك الليلة وفي ذلك المكان والحدث هو موت جماعي لكل مرتادي الملهي والعاملين فيه بواسطة انتحاري يفجرنفسه فيه وهو حدث كبير وظفه المؤلف بشكل مسبوك ومترابط . يبدا الفلم يتجنيد محمود(فتحي عبد الوهاب) من قبل احد القادة المتطرفين وهو سيد (محمود الجندي) لتفجير نفسه في ملهي ليلي مقنعا اياه بانه العمل الذي سوف يوصله الي الجنة وبان الغاية تبرر الوسيلة ملمحا له انه يستطيع عمل المحرمات و التصرف كمرتاد قديم للملهي لان(الحرب خدعة ) ويجهزوه للعملية وعندما تأتي ساعة الصفر لايعمل جهاز التفجيرفتفشل العملية ثم يبعث سيد رجلا اخر يبشره بالجنة ايضا لينفذ العملية بنجاح !!!!! لتعلن الحكومة موت 120 شخصاً بسبب انفجار سببه تماس كهربائي!!!! وهي إشارة واضحة الي ان الحكومة دأبت عل تزييف الحقائق .... هذاهو الخط العام للفلم لكنه تطرق الي الحياة الشخصية للعاملين في هذا الملهي وكيف جرتهم ظروفهم وحاجتهم وفقرهم الي مكان كهذا فالمشردة بوسي (دنيا سمير غانم) التي هربت من تحرشات زوج امها والفقيرة(جومانة مراد) التي تجمع المال( بعملها في الدعارة) لتبعث امها للحج والمغني الفاشل (خالد الصاوي) الذي لم يجد غير الملهي الليلي للغناء فيه والعامل الذي يحتاج المال لتربية اولاده ولدفع اجور دراسة ابنته وهكذا ....كلها نماذج حية من المجتمع تريد ان تحصل علي متطلباتها ووجدت في الملهي مايحقق لها ما تصبو اليه فهم ضحايا مجتمع قد جمعهم المؤلف في مكان واحد رغم اختلاف توجهاتهم وانتماءآتهم وصراعاتهم فيما بينهم ولم تكن الصدفة هي التي جمعتهم فهم شرائح مختلفة افرزها المجتمع. ولو ان المجتمع هيئ لهم احتياجاتهم لما عملوا في ذلك المكان ولما ارتادوه. كذلك يظهر في الفلم صاحب الملهي فؤاد (صلاح عبد الله) وتناقض طبيعة عمله مع تركيبته ككل فهو متدين يذهب للعمرة كل سنة ولايشرب الخمر ولا يقارب النساء ويدعو الله في اكثر من مناسبة ويصلي الصلاة في اوقاتها حتي لوكان وقتها في الملهي ويسمع اغاني صوفية بينما يجني امواله من بيع المشروبات المحرمة وعمل فتيات الليل (الي درجة احتكار اجسادهن) وهو لايجد في هذا تناقضاً فهو يتعامل مع الملهي كمكان عمل كأي عمل آخر وسبب للرزق مهما كان السبيل الي ذلك الرزق فالغاية التي هي جمع المال عنده تبرر الوسيلة التي هي المتاجرة باجساد فتياته. كما بررت عملية قتلهم من قبل الفكر المتطرف لإستئصالهم من المجتمع بدون إستخدام طرق النصح والإرشاد التي يدعو اليها الاسلام دين السلام. وبهذا صار للجميع غاية يريدون ان يصلوا اليها بغض النظر عن الوسيلة وهو مااطاح بهم في نهاية الفلم بعد ان وصل بهم الصراع الي ذروته واتفق البعض علي قتل الاخر في مشهد جميل جداً ظهر فيه حب الانتقام بشكل واضح عندهم عدا محمود الذي كان المتسامح الوحيد رغم انه كان اكثرهم إصراراً علي القتل والذي عاد الي رشده ورفض عملية التفجير التي كان قد صمم عليها بمنعه زميله من تفجير نفسه وبمحاولته حماية الناس الذين كان قد قرر قتلهم في بداية تلك الليلة فقد اكتشف ان هؤلاء ضحايا جلبتهم الحاجة و لقمة العيش الي هذا المكان وان هناك طرقاً اُخري غير القتل لإقناعهم بترك هذا العمل كما فعل واقنع العامل في الملهي (احمد بدير ) لترك العمل فيه بعد ان شاهده يصلي صلاة الفجر (رغم طبيعة عمله وطبيعة المكان) (في الوقت الذي نسي محمود الصلاة اذ لم ينتبه لدخول وقتها) وهنا نشأت مدرسة اُخري تقوم علي الإقناع والنصيحة والإرشاد . ومن اهم ما يُلاحظ علي قصة الفلم ان كل من يعمل في الملهي يعيشون حالة فصام بين قناعاتهم وتوجهاتهم وطريقة عيشهم ومصادر رزقهم فتؤثر عليهم الخلفية الدينية التي غرزها المجتمع والعائلة فيهم من جهة و احتياجاتهم وحبهم لغريزة جمع المال والطمع من جهة اُخري وبالتأكيد يتحمل المجتمع هذا التناقض والازدواجية الي درجة تدفع صاحب الملهي الي التنصل من علاقته بأخيه بحيث يأمره بالجلوس في الحمامات لانه يؤثر علي سمعة المكان علي الرغم من انه حصل عنده عوق في قدمه بسبب دفاعه عنه في مشاجرة قديمة. مخرج الفلم والمؤلف استخدما ادواتهم بذكاء فكان التايتل لبداية الفلم بصور سالبة للقطات حياتية لعامة الناس وهو بهذا يعطي فكرة ان هناك حياة اُخري غير هذه التي نعيشها اونعتقد اننا فهمناها او نعرفها و ونرفضها بمكابرة وفي الحقيقة هي صورة مسحوبة الواقعية وليست حقيقية وهو يحاول في الفلم إعطاء الصورة الحقيقية بلا تزويق والصريحة الي درجة المباشرة بجمع فئآت المجتمع المختلفة الفقير والغني البريئة والمتمرسة الطيب والشرير العريس وجالب الموت والدمار والفاسق والمتدين الي درجة التطرف كلهم جمعهم في الملهي وكأنه اراد للملهي ان يكون الحياة بشكل مصغر ويلاحظ موت كل الاشخاص في الملهي عدا العامل احمد بدير الذي بدأ الفلم به وانتهي به وشخص اخر لم يستطع الوصول الي الملهي بسبب حادث دهس مماسبب في بتر رجله وهو بهذا خسر قدمه وربح حياته .....وهنا يطرح قضية القدر والمشيئة الالهية .... تخللت الفلم الكثير من مشاهد الرقص والملابس الخليعة والحركات المثيرة ومن الواضح انها وضعت لمغازلة شباك التذاكر وتكرارها اثر علي قوة موضوعة الفلم والغريب ان الرقابة اعترضت في مواقع ثلاثة كلها كانت علي الحوار وليس علي المشاهد منها اعتراضهم علي كلمة (انت مسلم مثقف) التي قالها سيد لمحمود في بداية الفلم لانها تعبر (كما قالوا ) علي ان المسلم المثقف ارهابي وهو ربط غير منطقي بين الثقافة والارهاب وكذلك اعتراضهم علي اسم الفلم لكن الاعلانات كانت قد ظهرت وتم طبع الملصقات لذلك تم الاتفاق علي ابقاء الاسم. اظهر الفلم ايضا نموذجاً لسيدة عراقية و لااجد مبرراً لحشر (عراقيتها في موضوع الفلم ) فلو لم تكن عراقية لما تأثر الموضوع مطلقا وهي إساءة واضحة للمراة العراقية فليس من المنطقي ان تمثل هذه المرأة نموذج المرأة العراقية حيث ظهرت مخدوعة وتافهة فتنفق اموالها علي مغني فاشل ثم تنقلب عليه وتتركه بمجرد سماعها لمطرب منافس (ادوارد) وجاءت هالة فاخر بلهجتها البعيدة عن اللهجة العراقية فكانت خليطاً من اللهجات العربية وهذا اثر علي ادائها واضعفه وكذلك الاغاني التي كان يغنيها (خالد الصاوي) والتي يذكر فيها اسم العراق . ولا اعرف لماذا هذا الإصرار علي حشر العراق في مثل هذا المكان . قاد المخرج جموع الممثلين بأمكانية واضحة فكان هناك تناغم في الاداء وتناسق في التصعيد الادائي وكان الممثلون كباراً بحق يقودهم الممثل (صلاح عبد الله ) الذي ادي دوره بأتقان وهو ممثل كبير شاهدناه يشاطر نور الشريف الاداء في فلم (دم الغزال) ولايمكن نسيان ادائه الكبير في دوره في مسلسل ريا وسكينة كذلك الممثل (فتحي عبد الوهاب )وهو ممثل مهم يجب ان يأخذ فرصته التي تليق بأمكاناته وخالد الصاوي الذيد دخل بقوة في فلم عمارة يعقوبيان وغيرها من الافلام ولاننسي احمد بدير بأدائه المميز.... واعتقد انه آن لهؤلاء ان يتقدموا الي الصف الاول ويؤدوا ادوار البطولة بأمتياز .... كباريه...... فلم يرمي حجراً كبيراً في بركة راكدة بتسليطه الضوء علي فئات وأفكار نادرة الطرح وهو يضع الملح علي الجرح بجرأة وثقة كبيرين لكنه لم يقترح حلاً ناجعاً او محاولة للحل....
Azzaman International Newspaper - Issue 3091 - Date 4/9/2008
جريدة (الزمان) الدولية - العدد 3091 - التاريخ 4/9/2008